اخر الاخبار
حكمة اليوم
الاستفتاء
هل تعرف فريق CyberKsa
نعم
لا
لا يهم
@Cyber_Ksa_Team

مواقع صديقة
دعوي

جمالية التغافر المفقودة

وائل بن إبراهيم بركات - 2014-03-15 16:34:30

الأخوة وما أدراك ما الأخوة؟ إنها نعمة كبرى في زمن العيش الصعب، والحياة المرهقة بالتكنولوجيا، والجدران الصلبة التي فصلت الناس عن بعضها. ولذا فوجود الأخ بمثابة الكنز الذي تعثر عليه . إنها نعمة كبرى بعد نعمة الاسلام كما قال عمر بن الخطاب: "ما أُعطي أحد بعد الإسلام خيراً من أخٍ صالح. فإذا رأى أحدكم وُدّاً من أخيه فليتمسك به". وهي التي سماها مالك بن دينار بروح الدنيا فقال: "لم يبقَ من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان والتهجُّد بالقرآن وبيت يلهج أهله بذكر الرحمن". إن الأخوة الإيمانية والصداقة الإيمانية أقوى بكثير من الصداقة الدنيوية، وتتميز عنها بميزات واسعة منها: 1- الأخوة الإيمانية تنسب إلى الإيمان، وبالتالي تزول الفوارق الدنيوية والمادية من حسب ونسب وجاه وجنسية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، و لا عجمي على عربي، و لا لأحمر على أسود، و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(سلسلة الأحاديث الصحيحة 2700). 2- الاستمرارية، فالأخوة مستمرة باستمرار الاسلام في قلب كل منهما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} (سورة الزخرف: 67) موصولة في الدنيا والآخرة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار قال: يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا، فأدخلتهم النار فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا ثم يقول أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل " ( صحيح ابن ماجه 51). إن الإنسان عندما يستشعر هذا الفضل وهذا الجزاء للأخوة الإيمانية يزداد حرصه عليها، والوفاء بحقوقها، فلا يجعل للشيطان ولا للنفس الإمارة بالسوء سبيلا لقطع هذه الأخوة الإيمانية. 3- الاتحاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً"  (رواه البخاري 2446 ، ومسلم 2585 ). فالأخوة الإيمانية عامل تآلف واتحاد بين النفوس، لأن الراية واحدة، والغاية واحدة، والطريق واحد، فتتلاحم القلوب، وتتراحم، وتتطهر، وتتلاشى الأحقاد والضغائن والأطماع والوساوس، فإذا القلوب صافية نقية. 4- النصرة : عقد الأخوة الإيمانية يلزم الأطراف بالدفاع عن بعضهم، سواء كان ظالما أو مظلوما، فإن كان مظلوما دافع عنه بالحق، وإن كان ظالما أخذ على يده ورده عن ظلمه ونصحه بالحكمة والموعظة الحسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فقال رجل : يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره" (رواه البخاري :6952). والأخوة أصحابها بشر وليسوا ملائكة، فقد تزل عبارة من فم أحدهم، أو تنبو كلمة على لسان أحدهم، ويأتي الشيطان لينفخ فيها، وهنا يأتي الجهاد جهاد النفس وجهاد الشيطان، وبمقدار قربه وبعده عن الله، يكون ثباته في المعركة، فإما أن ينتصر على وساوس الشيطان وعلى أهواء النفس، وإما أن يفتك به الشيطان، وتقتله نفسه التي بين جنبيه، ويخسر أخوه وصاحبه.وهنا تكمن أهمية إخلاص النية لله في ثبات الأخوة، ولقد جاء تكرار  لفظة " فيّ" في الحديث القدسي: "وجبت محبتـي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ " ( رواه مالك، وإسناده صحيح، ورواه أحمد)، لتدل على أهمية الأخوة والمصاحبة والصداقة لله. لا لغرض دنيوي، وكلما كانت لله كلما كانت أعمق، وكانت النفوس راضية مطمئنة، تمتلك القدرة على التماس العذر للآخرين، وتملك القدرة على التغافر والتراحم فتدعو لها : {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } (سورة الحشر :10). قال صديق لابن السماك: "الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب "فرد عليه ابن السماك رحمه الله تعالى بأبلغ جواب : "بل بيني وبينك غدًا نتغافر". جواب له صدى في أرجاء الكون، وتلبس الحياة ثوب الفرح والسرور، وإذا الكائنات التي فطرت على الحب تردد معه: رب اغفر لي ولأخي .. فالتغافر والتسامح جمال يسحر الألباب، وشعور يسمو بالنفس الى آفاق واسعة، لا حدود لها، ولذة وسعادة يشعر بها صاحبه، فلا بغضاء ولا حقد ولا حسد، ولا عتب مكفهر، ولا حساسية تحز في النفس، فكلنا بشر، وكلنا نخطئ، وليس أحد منا معصوم، وخير الخطائين التوابون. قال ابن المبارك: "المؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم". إن التغافر والتسامح الذي بنبع من السلام الداخلي للنفس ليشع على الآخرين أصبحت صفات منقرضة، وللأسف الشديد، وهذا ما يجعلنا نعيد ترتيب الأخوة فيما بيننا، ونعيدها إلى الطريق الصحيح لله سبحانه وتعالى، وهذا شهر رمضان بين أيدينا، نحمد الله أن بلغنا إياه، هو خير فرصة لنعيد للتغافر والتسامح مكانته، ووجوده في حياتنا، وذلك بالتخلص من الأنا، ومن التعالي على مصلحة الذات، وفي غفران الأخ لأخيه ومسامحته له ورسمه للابتسامة على وجهه، وإن عاتبه عاتبه في جلسة تغافر وتصارح لا في جلسة تناحر، وقيل وقال، وشد وجذب، فأفرغ ما في نفسه ليرتاح قلبه، وتطمئن نفسه إلى أن الذي يخاطبه حبيب وأخ غال، وصديق عزيز، ورحم الله الشاعر بهاء الدين زهير فقال:   

تعالوا بنا نطوي الحديث الذي جرى

ولا سمعَ الواشي بذاكَ ولا درى

تعالوا بنا حتى نعودَ إلى الرضى

وحتى كأنّ العَهدَ لنْ يَتَغَيّرَا

وَلا تَذكُروا ذاكَ الذي كانَ بَيْنَنا

على أنّهُ ما كانَ ذَنْبٌ فيُذكَرَا

نسبتمْ لنا الغدرَ الذي كانَ منكمُ

فلا آخذَ الرّحمنُ من كانَ أغدَرَا

لقد طالَ شرْحُ القالِ وَالقِيلِ بَينَنا

وما طالَ ذاكَ الشرحُ إلاّ ليقصرا

متى يجمعُ الرحمنُ شملي بقربكمْ

ويصفو لنا من عيشنا ما تكدرا

سأذكرُ إحساناً تقدمَ منكمُ

واتركُ إكراماً لهُ ما تأخرا

من اليومِ تاريخُ المحبةِ بيننا

عفا اللهُ عن ذاكَ العتابِ الذي جرى

فكمْ ليلة ٍ بتنا وكمْ باتَ بيننا

من الأُنسِ ما يُنسَى بهِ طيِّبُ الكَرَى

أحاديثُ أحلى في النّفوسِ من المُنى

وألطفُ من مرّ النسيمِ إذا سرى

  عن لها أون لاين

اضافة تعليق

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعليقات الزوار