اخر الاخبار
حكمة اليوم
الاستفتاء
هل تعرف فريق CyberKsa
نعم
لا
لا يهم
@Cyber_Ksa_Team

مواقع صديقة
نفسي واجتماعي

ليسوا ملائكة

عبدالستار كريم المرسومي - 2014-03-15 16:31:34

من سنن الله الكونية أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان، يستأنس به، ويتعاون معه في تسيير أمور الحياة؛ خيرها وشرها، حلوها ومرها، يسيرها وشديدها، ويعمل الناس سويًا من أجل تحقيق أهدافهم المشتركة، ويرتبطون فيما بينهم بعلاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وعلاقات أخرى من أجل التكاثر والبقاء وأداء أدوراهم المختلفة، وفي ضوء هذا الفهم يسير الناس معًا في طريق هذه الحياة مختارين أو مرغمين.

إنَّ العلاقة الإنسانية الطبيعية التي ينبغي أن يكون عليها الناس، هي تلك التي قُلتُ فيها:

 

أُخَيَّ تَعالَ نُداوي الجِراحْ

يَديْ في يَدَيكَ شِعارُ السَّماحْ

أُضمِّدُ جُرحَكَ جُرحَ الكِفاحْ

شِعارُ الأُخوَّةِ راحٌ بِراحْ

فإن هبَّتِ الريحُ ريحُ القِباحْ

بِصَدري أصدُّ عَواتي الرّياحْ

ولكن المشكلة التي تواجه الجميع هي أننا نريد من الآخرين في ضوء العلاقات التي تربطنا بهم أن يكونوا ملائكة!

نريدهم لا يخطئون ولا ينسون ولا يطمعون ولا يقصرون، وفي خضم ازدحام هذه المواصفات الكاملة ننسى أنفسنا!

والسؤال هنا: هل نحن ملائكة؟ حتى نطلب من الآخرين بل نلزمهم أنْ يكونوا كذلك.

الحقيقة التي تعبر عن الواقع هي أننا لسنا ملائكة قطعًا، فأنا وأنت ننسى ونغفل ونقصر ونخطأ ونطمع ونكره ونحسد، وتعترينا ما تعتري المخلوقين من أشياء سلبية كثيرة، وكذلك الآخرون يحصل لهم الذي يحصل لنا، فهم ليسوا ملائكة، فإن أيقنَّا بهذا الواقع سنجد أنَّ في الأمر سعة كبيرة في التعامل معهم، وسنستطيع آنذاك أن نتحلى بأخلاق العفو والتسامح وقبول الآخر، بعد أن كانت قد ألغيت من قاموس تعاملنا معهم.

عن أبي أيوب الأنصاري - رضى الله عنه - ، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: " لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقًا يذنبون فيغفر لهم"[1].

فإن هذه السُنَّة الإلهية الكونية في الناس ستساعدنا كثيرًا على استيعاب وفهم وتطبيق ما توصلنا إليه من قناعات، فالأمر لا يتعلق بابتكار خُلُق جديد، أو نظام تعاملي جديد، فقد اختار الله تعالى لنا ذلك وقد قضي الأمر، وهو سبحانه وتعالى من خلقنا مثلما خلق الآخرين، وجعل النقص جزء من تكويننا، فهي من الأمور الفطرية التي لن يكون الأمر معقدًا حتى نستطيع أن نصل إليه بعد أن أيقنّا أنها من الله تعالى.

ومن المخجل حقًا حين نضحك من الناس أو نسخر منهم حين يفعلون أشياءً، أو يتبنَوا أفكارًا مختارين أم مجبرين، ثم نقع نحن بنفس الشيء، ونقوم بنفس الفعل، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام: «لمَ يَضحك أحدكم مما يفعل» [2].

ليس من المنطق ونحن نعمل نعتقد أن غيرنا لا يعمل، وأن المؤسسة التي نعمل فيها ستنهار إن غِبْنا عنها يومًا واحدًا، لقد اعتقد الكثير منا مثل هذا الاعتقاد، ولكن حين تركوا تلك المؤسسة استمرت بالعمل ولم تَنْهَر، فذلك دليل على أن المعني لم يكن الوحيد الذي يعمل، وليس من المعقول حين يتأخر الآخرون عن إنجاز العمل ننعتهم بالكسل والخمول والتقصير، وحين نتأخر نحن نبرر ذلك بأننا دقيقون بعملنا، حريصون عليه، ونحتاج إلى الوقت الكافي لإنجاز العمل كما يجب.

ثم إننا نخطئ خطأً فادحًا حين نوجه أبصارنا وجميع حواسنا لمراقبة الآخرين، فإذا قَصَّروا صرخنا بتقصيرهم، وإذا نسوا بادرنا نعلنُ عن نسيانهم، وإذا أخطأوا شهَّرنا بخطأهم تحت شتى الذرائع، فالمصلحة الشرعية تارة، ومصلحة الأمة تارة، ومصلحة العمل تارة أخرى، ثم إننا بانشغالنا بالآخرين ننسى أن نتابع ونراقب أنفسنا! فنترك الواجب الأهم والعمل الرئيسي وهو مراقبة الذات وإصلاحها، وننشغل بالمهمة التي لا ينبغي أن تكون في أعلى قائمة أولوياتِنا، وهي مراقبة الآخرين، يقول رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» [3].

هناك فرق كبير جدًا بين القذاة وهو القليل من الوسخ، أو هو ما يعلق بطرف العين من الوسخ، وبين جذع النخلة، الذي يوشك الأعمى أن يراه، ولكن المشكلة ليس في البصر وإنما في البصيرة، فحين تُشوش الحقائق على البصيرة تختلط الأمور، فتحدث أشياء خارج سياقات المنطق، فيرى المرء القذا ولا يرى الجذع.

هل راجعت نفسك يومًا وعرفت تقصيرك؟

إذا كانت الإجابة بنعم، فما الخطوة التالية التي قمت بها؟

وإذا كانت الإجابة بلا، فهل ستراجع نفسك الآن؟

هل تمتلك الشجاعة الكافية أن تُسمي خطأً بعينه وقعت فيه يومًا ما؟

 وحتى حين نكتشف أخطاءنا فإننا نغظ الطرف عنها، ولا نريد أن نتحدث بها، نريدها أن تَمُـرَّ من غير أن يتكلم بها أحد، وكلما اقترب الحديث منها حاولنا جر الحديث لأمر آخر هروبًا منها.

إن الشجاعة الحقيقية في أن نواجه أخطاءنا ونعترف بها، ثم نُعدِّل، فمهما كانت أخطاؤنا كبيرة، ومن أي نوع، فإننا إن تبنا منها فإن الله تعالى سيغفرها لنا، قال الله تعالى:﴿ إنما التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 17-18].

فما أشار له القرآن الكريم هنا واضح للغاية، الله تعالى يريد منا أن نتوب بشكل واضح، نتوب ونحن نمتلك الإرادة عليها، وعندنا الخيار، ونحن في فسحة زمنية، هذه هي التوبة التي يريدها الله تبارك وتعالى منا والتي يقبلها، بل وسيبدل كل تلك السيئات التي اقترفت قبل التوبة إلى حسنات، يقول تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70[.

أما من يتوب مضطرًا، أو رياءً، فهي توبة غير مقبولة، وإن هذه التوبة من قبيل (توبة فرعون)، قال تعالى:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 90-91]، لقد أعلن فرعون إيمانه وأشهر إسلامه، لكن لا طائلة من كل ذلك فإن التوقيت ليس مناسبًا، فقد كان عليه أن يفعل ذلك قبل وقت كافٍ.

هل اختليت بنفسك وتذكرت ذنبًا فعلته، وتبت إلى الله تعالى منه، بينك وبين ربك؟

فحين تستطيع أن تُحقِّقْ هذا الفعل فأنت تسير على الطريق الصحيح، ثم بعد ذلك لا يهمك مواقف الناس، لأن مقام الله تعالى لا يقارن البتة في مقام الناس جميعًا.

نحن نتألم كثيرًا ونتأثر بشدة حين يجافينا الآخرون، ونتساءل عما بدر منا، فنحن لم نخطأ بحقهم، إنَّ الإنسان حين يجافيك فإنه لم يكن الوحيد المسؤول عن ما حدث، فأنت شريكه فيما حصل، أنت ساعدته على ذلك حين تعاملت في أول مشوارك معه على أنه ملاك، فبُحتَ له بكل ما لا يُباح، وقلت كل ما لا يُقال، وكشفت له ما لا يُكشف، وكنت تنظر له على أنه أفضل مخلوق في الوجود، وربما تجرأت لأن تقول أنه ملاك، ولكن الحقيقة ليست كذلك، لقد تطورت العلاقة حتى صارت لا تحتمل الأخطاء، فحين يصبحان قريبين من بعضهما يكتشفان أخطاء بعضهما بعضًا، فيحصل الجفاء.

غير أن عدم الملائكية عند الناس لا يعني بالضرورة عدم وجود علاقات على مستوىً عالٍ من النقاء والصلاح والجمال والإخلاص، بل إن مثل هذه العلاقات تملأ الدنيا، ولكن الهوَّة تزداد بين الناس في علاقاتهم كلما ازداد حجمها المادي أو النفعي، بمعنى أن مبررات الخلاف وعدم الملائكية التي نتكلم عنها تتوفر في مناخ من الماديات البحتة، بينما يوفر الوعي الكامل بعدم ملائكية الآخرين المناخ الملائم لإقامة علاقات رائعة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الشهداء والنبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه»، فجثا أعرابي على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، صفهم لنا وحلهم لنا.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «قوم من أقناء الناس من نزاع القبائل، تصادقوا في الله وتحابوا فيه، يضع الله عز وجل لهم يوم القيامة منابر من نور، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»[4].

فهذه العلاقات البشرية وصلت مراتب الملائكية حين كانت لله وفي الله تعالى فحسب، وحسبما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابها.

ولما لم يكن الأخرون ملائكة، فقد توجَّب علينا أن نعذرهم حين يخطؤون، ونذكرهم حين ينسون، ونساعدهم حين يحتاجون المساعدة بأشكالها كافة، ونقوِّم لهم سلوكهم حين يقعون في فهم خاطئ لشأنٍ من شؤون الحياة، وهكذا فعل عبد الله بن المبارك[5] رحمه الله لكي يُغيِّر قناعة الإمام الأوزاعي[6] عن أبي حنيفة النعمان رحمهم الله جميعًا؛ فقد قدم ابن المبارك للأوزاعي بعض مؤلفات أبي حنيفة هدية منه من غير أن يكون عليها اسمه الحقيقي، فلما أُعجب الأوزاعي بها، أخبره بأن هذا الذي قرأه من تأليف أبي حنيفة النعمان، فتغيرت فكرته عنه وصار يُجِلُّه، ووجدت من أجمل قواعد التعامل مع الآخرين، ما قاله حاتم الطائي بقوله:

فَنَفسَكَ أَكرِمها فَإِنَّكَ إِن تَهُنعَلَيكَ فَلَن تُلفي لَكَ الدَهرَ مُكرِماتَحَمَّل عَنِ الأَدنَينَ وَاِستَبقِ وُدَّهُموَلَن تَستَطيعَ الحِلمَ حَتّى تَحَلَّماوَذو اللُبِّ وَالتَقوى حَقيقٌ إِذا رَأىذَوي طَبَعِ الأَخلاقِ أَن يَتَكَرَّمافَجاوِر كَريمًا وَاِقتَدِح مِن زِنادِهِوَأَسنِد إِلَيهِ إِن تَطاوَلَ سُلَّماوَأَغفِرُ عَوراءَ الكَريمِ اِدِّخارَهُوَأَصفَحُ مِن شَتمِ اللَئيمِ تَكَرُّماوَلا أَخذِلُ المَولى وَإِن كانَ خاذِلًاوَلا أَشتُمُ اِبنَ العَمِّ إِن كانَ مُفحَماوَلا زادَني عَنهُ غِنايَ تَباعُدًا
اضافة تعليق

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعليقات الزوار